الحصاد المر :

السودان بعد 46 عاما من الاستقلال[i]


فى ذكرى الاستقلال ؛ يحتاج كل منا الى الوقوف لحظة لاستخلاص العبر من هذه الذكرى الجليلة ؛ وللسؤال ماذا حقق السودان بعد حوالى النصف قرن من استقلاله ؛ وما هو حصاد الشعب من تحقيق استقلال بلادنا الوطنى ؛ ومن الحكم " الوطنى " ؛ وهل توازنت التضحيات الجمة ؛ التى قدمها اجدادونا وآبائنا ؛ مع الثمار التى جمعناها ؛ والتى نمت على ارض مروية بعرقهم ودمهم .

ان نظرة سريعة تكفى للاشارة الى الواقع البائس الذى تعانى منه بلادنا ؛ بعد 46 عاما من الاستقلال ؛ فلا يزال الدخل الوطنى واحدا من ادناها وسط شعوب العالم ؛ ولا يزال حظ الفرد من هذا الدخل واحدا من اقل الدخول ؛ ولا تزال الحرب الاهلية مستمرة ؛ تحرق الاخضر و اليابس ؛وتستنزف مواردنا البشرية والاقتصادية ؛  ولا تزال مؤسساتنا السياسية غارقة فى مستنقعات  التسلط وعدم الاستقرار والفساد؛ ولا تزال الامية جاثمة على صدر نصف شعبنا ؛ ولا يكاد  اسم السودان يذكر فى المحافل العالمية الا مقرونا بالكوارث والالام ؛ ولا يزال شعبنا ممزقا ووحدتنا الوطنية مهددة ونحن فى حالة من الاحتراب الداخلى وانعدام الثقة المتبادل .

هذا الواقع ؛ يفرض علينا طرح حزمة من الاسئلة حول مسؤولية القوى والنخب المختلفة  فى السودان الحديث عن هذا الفشل ؛ والى اى مدى تحكمت الظروف والمفاهيم والنخب التى انتجت الاستقلال ؛ فى توليد الفشل اللاحق ؛ وهل كان هناك طريق آخر ؛ يمكن ان يؤدى الى الرخاء وتحقيق السلام الاهلى وتعزيز الحكم الدستورى ؛ وهل هناك من منافذ للحل اليوم ؛ نحاول من خلالها ان نوقف هذا السير الانحدارى الى الهاوية ؛ ؛ الخ الخ من الاسئلة المصيرية .

الاسئلة التى نطرحها ؛ لا تقلل بحال من احتفالنا بالمناسبة ؛ بل وقد تكون هى الاحتفال الافضل بذكرى الاستقلال ؛ فالتجربة التى لا تورث حكمة ؛ تكرر نفسها ؛ والتغاضى عن واقع السودان المر اليوم ؛ لن ينتج الا المزيد من الدمار والتفتت لبنية الوطن ؛ والا المزيد من الفاقة والعذاب لساكنيه .

لماذا خسر السودان استقلاله ابتداءا :

الحديث عن الاستقلال ؛ لا بد ان يبتدى بالحديث عن الاستعمار ؛ ولماذا خسر السودان استقلاله منذ البدء ؛ واى ظروف حكمت على بلادنا ان ترزح تحت النفوذ الاجنبى لاكثر من نصف قرن ؛ طوال القرن العشرين . اننا لا نتحدث هنا عن الحكم المصرى – التركى  فى القرن التاسع عشر ؛ باعتباره قد انهزم تحت ضربات الثورة المهدية ؛ بل نتحدث عن السودان على تخوم القرن العشرين ؛ وتحديدا فى العام 1898؛ عام دخول وانتصار القوات الاستعمارية .

ان الاستعمارالثنائى ؛ هذا الشكل الغريب والفريد للادارة الاستعمارية ؛  قد جاء كشكل مباشر لانهيار الدولة المهدية ؛ هذه الدولة التى تاسست على قاعدة من ثورة حركت ساكن الحياة فى كل السودان التركى - المصرى ؛ وخلقت مفاهيما جديدة وواقعا اجتماعيا جديدا ؛ تبلور بتحرير الخرطوم فى يناير من العام 1885 ؛ وانشاء الدولة المهدية ؛ بقيادة الامام محمد احمد المهدى ؛ كدولة سودانية مستقلة ؛ ضمت معظم حدود السودان الحالى ؛ وشكلت خطوة جديدة فى بناء الامة السودانية والوطن السودانى  .

الا ان الدولة المهدية ومنذ بدايتها ؛ وخصوصا بعد رحيل الامام المهدى ؛ ورغم العديد من ايجابياتها ؛ قد تميزت بعدد من المسالب ؛ والتى ما كان يمكن الا ان تؤدى الى انهيارها ؛ نذكر منها :

·        حكم الفرد الغاشم وانعدام المؤسسات : ففى مقابل القيادة الجماعية والشورى التى قام بها الامام المهدى ؛ فان الخليفة عبد الله قد ابعد عن مركز القرار اغلب قواد المهدية ؛ وادخلهم السجون ؛ ومارس سلطته بصورة فردية غاشمة وعشوائية ؛ واعتمد بشكل مباشر على اقاربه وابناء قبيلته .

·        حالة الاحتراب الداخلى والنزاعات الخارجية : فقد دخلت المهدية فى حروبات داخلية ؛ منها حروبها ضد الكبابيش ؛ وحروبها ضد التمردات القبلية فى دارفور وجبال النوبة ؛ ومحارتها لقواتها من الجهادية ؛ وحالة الاحتراب التى خلقتها ما بين اولاد البحر واولاد الغرب ؛ والحروب الخارجية التى شنتها ضد مصر وضد الحبشة .

·        الفوضى الاقتصادية والتخلف التقنى  : فقد ادت الهجرات الواسعة من الغرب الى ام درمان ؛ وتجييش اعداد ضخمة فى جيوش نظامية ؛ وحالة الاحتراب السائدة فى اقاليم واسعة ؛ الى الفوضى الاقتصادية ؛ والى ضعف الانتاج ؛ والتى كانت من نتائجها سياسة المصادرة لاحتياجات الجيش ؛ الامر الذى زاد الطين بلة ؛ وقلل من التفاف الشعب ( الرعية ) تجاه الدولة .

·        التطرف الدينى ؛ والذى ظهر فى الغاء الطرق الصوفية كافة ؛ وفرض المهدية وتعاليم الامام المهدى كايدولوجية رسمية للدولة ؛ والتضييق على الجماهير فى عادتها وتقاليدها الاجتماعية ؛ وفرض نوع من السلفية القاسية الى تعارضت مع الطابع المنفتح والشعبى لاسلام معظم القبائل السودانية .

ادى كل هذا ان تتحول قيادة الدولة المهدية الى عامل تفريق ؛ وليس عامل توحيد ؛ وان تنفر عنها جماهير واسعة ؛ وان تهدر امكانياتها المتواضعة فى مغامرات حربية لا طائل من ورائها ؛ وان تغرق البلاد فى ازمات من المجاعة والفوضى ؛ حتى قيل " انت قايل الدنيا مهدية " كناية عن حالة من الفوضى و التسلط والقرار العشوائى الغاشم .

فاذا اضفنا الى ذلك ؛ اذدياد التنافس الاستعمارى حول افريقيا ؛ وكون معظم القارة قد خضعت حينها للنفوذ الاوروبى ؛ فاننا لا نستغرب ان تنهار الدولة المهدية بكل مشاكلها وصراعاتها المبررة وغير المبررة ؛ وقيادتها المغامرة ؛ امام قوة اجنبية منظمة ؛ تتفوق عليها تقنيا وعسكريا ؛ رغم البطولة التى حارب بها السودانيون دفاعا عن ارضهم وترابهم .

حول الدور الاستعمارى فى السودان :

درج الاستعماريون وتلاميذهم ؛ على القول بان الاستعمار قد حقق الكثير من التطور للسودان ؛ وقضى على فوضى الدولة المهدية ؛ وبنى مؤسسات وخدمة مدنية ؛ لم نستطع ان نحافظ عليها بعد الاستقلال ؛ الامر الذى يعبر عنه بعض من الجيل القديم فى عبارة " يا حليل زمن الانجليز " ؛ فالى اى مدى  تكمن الحقيقة فى هذه المقولات.

تتجاهل هذه المقولات حقيقتين هامتين ؛ الاولى هى ان غرض الاستعمار من احتلال بلادنا قد كان غرضا انانيا بحتا ؛ وهو الحصول على المواد الخام لصناعته واقتصاده ؛ وخلق سوق لتصريف منتجاته ؛ وقد كانت هذا الغرض هو الحاكم لكل السياسات الاستعمارية فى بلادنا ؛ كما فى غيرها من بلاد العالم .

 اما الثانية فهى ان الاستعمار؛ لتوطيد سيطرته وبناء الامن والنظام الذى يزعمون ؛  قد مارس قدرا من الوحشية والقتل فى بلادنا ؛ مما يفوق الوصف ؛ كما فى كررى مثلا ؛  الامر الذى وصفه مصطفى سعيد بطل رواية  موسم الهجرة الى الشمال بجرثومة العنف الاوربية ؛ وهى جرثومة غاشمة كاسحة ؛ انتجت حربين عالميتين ؛ والعديد من المجازر البشرية ؛ فى الهند وناميبيا والجزائر والسنغال ؛ ومن بعد فى فيتنام وجنوب افريقيا  وفلسطين ؛  والتى تنفى اى صفة حضارية او بشرية عن الاستعمار او ممثليه .

ومما لا ريب فيه ان الاستعمار قد بنى لتحقيق اهدافه لبعض المؤسسات الانتاجية والخدمية والتعليمية ؛ الا ان هذه  المشاريع التى قامت ؛ كمشروع الجزيرة مثلا ؛ كانت ترمى حصرا الى اشباع حاجة المستعمر للمواد الخام . وكما تنبه الى ذلك العديد من الباحثين ؛ فان المناطق البعيدة عن ميناء التصدير ؛ قد اهملت تماما فى خطط الاستعمار ؛ فبنى بذلك اولى لبنات التطور غير المتوازن فى السودان ؛ حيث عاشت مناطق كاملة من القطر فى نمط الاقتصاد المعيشى ؛ ولم تلمسها يد التحديث المزعومة .

اما فى مجال السياسة  التعليمية ؛ فقد وصفها معاوية محمد  نور فى الثلاثيات بالتالى : " فسياسة التعليم فى  السودان لم تكن ترمى الى نشر الثقافة والعلم بين ابناء البلاد ؛ وانما كان اكبر همها فيما مضى ان تخرج موظقيين وطنيين يشتغلون فى الوظائف الصغرى فى البلاد " ؛ والدليل على ذلك ان الاستعمار عندما خرج من بلادنا كانت نسبة الامية تقارب ال90% وسط السكان ؛ وتكاد تقترب من المائة بالمئة وسط جماهير المناطق المهمشة والنساء .

وفى مجال المؤسسات السياسية والتمثيلية ؛ فقد قضى المستعمر بفظاظة على كل المحاولات لخلق هيئات سياسية وتمثيلية حديثة ؛  وخصوصا بعد نهضة العام 1924 ؛ ومضى بدلا عن ذلك الى تكريس القيادات القبلية والعشائرية ؛ فى سياسة الادارة الاهلية ؛ وتقسيم السودانيين على اساس قبلى ؛ وتوسيع نفوذ القوى الطائفية ؛ بما وفره لها من دعم مالى وسياسى وتنفيذى ؛ فى خطوة جديدة لتمزيق عرى الوطنية السودانية ؛ واعتقال تطور البلاد فى علاقات قديمة عفى عليها الزمن .

وحينما نهض المثقفون من سباتهم ؛ وانشاؤا مؤتمر الخريجين على علاته ؛ وكانوا من صفوة النخبة المدينية المثقفة فى البلاد ؛ فقد حاربهم الاستعمار ؛ وادخل وسطهم دسائسه ؛ ومزق مؤتمرهم عن طريق القوى التقليدية ؛ ولم يتورع عن انشاء كيانات هزيلة ؛ كالمجلس الاستشارى لشمال السودان ؛ والجمعية التشريعية ؛ ودعم الاحزاب الطائفية والقبلية ؛ كحزب الامة ؛ والحزب الجمهورى الاشتراكى ؛ فى الوقت الذى كان يطلق النار فيه على المظاهرات الوطنية ويحاول تحطيم الحركة السياسية والنقابية والصحفية الناشئة .

كما تمثلت محاولات  ايقاف الاندماج الوطنى فى سياسة المناطق المقفولة ؛ والتى اوقفت تدفق السلع والثقافة والبشر ما بين مناطق البلاد المختلفة . ورغما عن الطابع الظالم والمهيمن لعلاقة الجلابة بجماهير الجنوب والغرب وجبال النوبة فى الحقبة قبل الاستعمارية ؛ فان الاستعمار لم يسع الى ترشيدها ؛ وانما الى ايقاف اى تبادل ؛ واغلق بهذه السياسة التطور الطبيعى لعملية الاندماج الوطنى ؛ وساهم بذلك فى ايقاف تطور بناء الامة السودانية ؛ وزاد من تكريس الفروقات التاريخية باخرى جديدة .

اما محاربة الاستعمار للقومية السودانية ؛ فقد تمثلت بشكل رمزى بعد ثورة 1924 ؛ ففى مقابل السؤال عن جنسهم ؛ كان ثوار24 يردوا بانهم سودانيون ؛ الامر الذى عرضهم للضرب والتعذيب ؛ لكيما يتخلوا عن هذه الاجابة وينطقوا باصلهم القبلى ؛ ويا لها اذن من سياسة حضارية تمدينية راقية قام بها المستعمر فى بلادنا !!!

ان ما سبق يوضح ان السياسة الاستعمارية فى السودان قد كانت سياسة انانية ؛ ولم تقدم للسودان ؛ فى مقابل الاستنزاف الواسع لموارد البلاد الطبيعية ؛ اى عائد يذكر فى مجال البنى التحتية او الصناعة او تحديث الزراعة او فى السياسة التعليمية ؛ الا من مشاريع هزيلة تعد على اصابع اليد ؛ اما سياسة الاستعمار الاجتماعية فقد كانت وبالا على شعبنا ؛ وتكريسا للقديم والمتخلف ؛ وجزءا من عقلية فرق تسد ؛ وجرحا عميقا فى النسيج الاجتماعى والوطنى ؛ تركه لنا الاستعمار كهديته المرة لنا ؛ وهو يخرج رسميا من بلادنا .  

ثلاثة  مفاهيم للوطنية السودانية :

فى مقابل الواقع الاستعمارى ؛ فقد بدا الوعى الوطنى فى التبلور ؛ وخاضت جماهير شعبنا فى مختلف مناطق البلاد ؛  نضالا متواصلا من اجل الانعتاق الوطنى ؛ لم يقابل ثراه  وعظمته الا ضعف همة القائمين على قيادة الشعب من النخب المختلفة ؛ وضيق افقها واتصال مصالحها مع مصالح الاستعمار .

اننا هنا نذكر انه بعد انهزام التمردات القبلية المختلفة والتى استمرت طوال عشريتن عاما ؛ وتصفية الجيوب المتفرقة لبقايا الفكرة الجهادية المهدية ؛ هاتان العمليتاتن اللتان مورستا باقصى درجات القساوة والبربرية من قبل السلطة الاستعمارية ؛ فقد بدات فى التبلور مفاهيم الوطنية السودانية ؛ والتى يمكن ان نجملها فى ثلاثة مفاهيم ؛ قامت ابان الحقبة الاستعمارية ؛ ونزعم بانها لا تزال مستمرة الى الان .

اما الاول فهومفهوم تقليدى عشائرى متخلف ؛ قائم على ان السودان يتكون من قبائل مختلفة ؛ ولكل من هذه القبائل سادتها المتحدثين باسمها . وان تمثيل مصالح الامة يتم عن طريق هؤلاء السادة ؛ او هذا القسم الرفيع من الامة . ان هذا المفهوم  قد تبلور على يد الانجليز واذنابهم ؛ وتمظهر فى زيارة وفد هؤلاء " السادة" لانجلترا ؛ لتهنئتة ملكها بكسب الحرب ؛ وقد كانت جريدة الحضارة هى الناطق الرسمى باسم هذه التيار ؛ والذى اعلن عن نفسه بقوة وفظاظة ابان نهضة العام 1924 ؛ والتى كان هذا التيار من الد اعداءها ؛ حيث قال الناطق بلسانهم "اهينت البلاد لما تظاهر اصغر واوضع رجالها دون ان يكون لهم مركز فى المجتمع ؛ بانهم المتصدون والمعبرون عن راى الامة . ان الشعب ينقسم الى قبائل وبطون وعشائر ؛ ولكل منها رئيس او زعيم او شيخ ؛ عم اصحاب الحق فى الحديث باسم البلاد ؛ فمن هو على عبد اللطيف الذى اصبح مشهورا حديثا ؛ والى اى قبيلة ينتسب ؟ "

ان هذا التيار وان قام على تقسيم الامة السودانية الى طوائف وقبائل مختلفة ؛ وان عمل على الاحتفاظ بالتقسيم الطائفى للمجتمع السودانى ؛ فقد كان قادته يتحدون معا فى كل منعطف وطنى ؛ كان ذلك ابان ثورة 1924 ؛ وبعد الاستقلال حين نافسهم الزعيم الازهرى ؛ وفى كل الحكومات "الديمقراطية " الائتلافية التى سادت فى العهد الوطنى . ان الممثلين الرئيسين لهذا التيار عشية الاستقلال قد برز وسط قيادة طائفة الانصار والختمية والهندية ؛ ومن والاهم من القيادات القبلية وكبار الموظفين السودانيين فى الادارة الاستعمارية ؛ ووجد تجليه الاكبر فى الاحزاب التى انشأتها  قيادة هذه الطوائف ؛ وخصوصا احزاب  الامة والشعب الديمقراطى والاتحادى الديمقراطى فيما بعد .

اما المفهوم الثانى فقد قام على وجود امة سودانية عربية مسلمة ؛ تجد امتدادها فى الكيان العربى ؛ وخصوصا مصر ؛ وقد انتج هذ المفهوم شعار وحدة وادى النيل ؛ وتمثل اول ما تمثل ابان ثورة 1924 من بعض قادة جمعيتى  الاتحاد السودانى واللواء الابيض ؛ من فئات المثقفين المتاثرين بالثقافة العربية والجلابة ؛ مثل سليمان كشة . وقد نبلور هذا المفهوم فى مؤتمر الخريجين فيما بعد ؛ والاحزاب الاتحادية التى نشات عنه ؛ وقد كان نشيد المؤتمر يبدا بالكلمات : " امة اصلها للعرب –دينها خير دين يحب " ؛ الامر الذى عنى من البداية استبعاد كل العناصر غير العربية وفير المسلمة من قوام هذه الامة المتهيلة ؛ او انخراطها فى هذه الامة  بعد التخلى عن ثقافاتها الخاصة ؛ سلما كان هذا التخلى ام حربا .

ان هذا المفهوم والذى نشأ فى الاوساط المدينية وقطاع الافندية ؛ قد وجد انتشارا شعبيا واسعا وسط جماهير الشمال السودانى ونخبها وفئاتها الوسطى ؛ وامتد الى الحركتين العروبية والاسلاموية ؛ والتى ذهبت به كل منهما الى حدوده القصوى ؛ وان قنعت كل منهما باحد مكوناته . فالحركة العروبية على اختلاف تيارتها:  التقليدية ( الشيخ على عبد الرحمن ) والحديثة ( القوميين العرب والبعث ) قد رات فى السودان شعبا عربيا ؛ متجاهلة كل الشعوب السودانية الافريقية فى الجنوب ودارفور والشرق واقصى الشمال ؛ اما الحركة الاصولية فقد رات فيه شعبا مسلما على الطراز السلفى ؛ متجاهلة غير المسلمين ؛ بل وحتى المسلمين المختلفين عنها فى تصورها للاسلام والثقافة والهوية القومية .

ان المفهوم الثانى ؛ والذى كان اكثر تقبلا من قبل النخب الحاكمة ؛ قد تبلور فى تيارات مختلفة ؛ الا ان القاسم المشترك الاعظم بينها كان هو طموحها لرؤية السودان وبنائه على جناحين من  العروبة والاسلام ؛ ولا عجب اذن ان يتجه العروبيون السابقون الى مواقع اسلامية اخيرا ؛ وان يطعم الاسلاميون الصرف ايدولوجيتهم بملامح عروبية ؛ وقد سادت هذه التصورات فى مختلف احزاب وحكومات هذا التيار ؛ كما تمثلت ايضا  فى سياسة الجنرالات عبود ونميرى والبشير ؛ ومن والواهم من متبنى هذا المفهوم للوطنية السودانية والامة السودانية من يتامى المثقفين المحدثين .

اما المفهوم الثالث فيقوم على وجود امة سودانية متعددة المكونات والثقافات والاديان ؛ وعلى ضرورة توحيدها واندماجها على اسس حديثة ؛ وعلى قاعدة من المساواة فى الحقوق والواجبات ؛ والاحترام المتبادل لمصالحها وثقافلتها . وقد تبلور هذ التيار اول ما تبلور فى " جمعية قبائل السودان المتحدة " والتى انشاها على عبد اللطيف ؛ ثم فى جمعية الاتحاد السودانى ؛ والتى عملت على ترسيخ الاتحاد بين السودانيين انفسهم ؛ ووسط اغلب قادة ثورة 1924 ؛ وخصوصا على عبد اللطف وعبيد حاج الامين ؛ وقد كان من راى على عبد اللطيف ان كل الشعب السودانى هو شعب سودانى كريم ؛ حيث لا فضل للعربى على النوبى او الجنوبى ؛ وقد ضمت الثورة وتنظيمها جمعية اللواء الابيض عناصرا من كل القبائل والشعوب السودانية ؛ كما كان من اهم شعاراتها الغاء قانون المناطق المقفولة ؛ والاحتجاج على سياسة المستعمر المشجعة للانفصالية فى الجنوب .

وقد تميز هذا المفهوم منذ البدء باتجاه شعبى وتحديثى واضح ؛ حيث راى ان الشعب يتكون من عماله ومزارعيه ورعاته ومثقفيه ؛ وليس من القادة الطائفيين والقبليين ؛ ولذلك فقد تميز بمواقف ناقد منذ البدء لهؤلاء القادة ؛ وللمؤسسات الطائفية وممارساتها ؛ وللادارة الاهلية ؛ وراى دورا للعناصر الحديثة قى تمثيل الامة ؛ وان القيادة لا ينبغى ان تستند على ارث قبلى او دينى ؛ وقد عبر عن هذا معظم شعراء ثورة 1924 ؛ كما عبر عنها على عبد اللطيف فى الاجتماع الذى قرر تاسيس جمعية اللواء الابيض ؛ حيث قال :"والله نحن اجتمعنا دلوقت لانو حتكون فى مفاوضات ؛ المفاوضات دى دلوقت السيد عبد الرحمن عمل الاجتماع بتاعو واعلن رايو ؛ ونحن ما بنعتقد انوالنظارو العمدوالمشايخ بيمثلونا ؛ لاننا نحنا ناس برضو عندنا راى فى الحكاية دى   "

ان هذا المفهوم ؛ والذى كان مختلطا بمفاهيم وحدة وادى النيل ابان ثورة 1924 ؛ ما لبث ان اخذ طابعه المستقل من بعد انهزام الثورة ؛ وخصوصا فى اعمال عرفات محمد عبدالله ومعاوية محمد نور وعبدالله رجب ؛ كما تبته الحركة اليسارية الناشئة ؛ والحركة النقابية للعمال والمزارعين ؛ ومعظم الحركات الاقليمية وتياراتها الخارجة عن النفوذ القبلى والتقليدى ؛ وان كان قد ظل طول الوقت مفهوما مستقبليا ؛ حيث لم تتوفر له فرص الانتشار الواسع ؛ فى مقابل التوجهات العقيمة لاصحابى مفهوم السادة والسودان العربى الاسلامى من جهة ؛ والتوجهات الانفصالية من الجهة الاخرى .

ان مما لا ريب فيه هو ان المفهومان الاول والثانى ؛ اى حكم السادة القائم على الانقسام القبلى والطائفى ؛ وتصور السودان ككيان عربى اسلامى ؛ قد كانا هما الطاغيان عشية الاستقلال ؛ رغما عن الاخطاء الكامنة فيهما ؛ ورغما عن الطابع اللاديمقراطى لاولهما ؛ والطابع الاحادى  لثانيهما . اننا لا نذيع اذن سرا اذا ما قلنا ان النضال ضد الاستعمار قد شن اساسا تحت راية مفاهيم خاطئة للوطنية السودانية ؛ الامر الذى كمنت فيه جذور العديد من الازمات اللاحقة .

الطريق الى الاستقلال :

بعد هزيمة التمردات القبلية المختلفة ؛ وانكسار ثورة 1924 ؛ وحالة البطش والارهاب والتضييق التى تعرضت لها الحركة الوطنية وقادتها بعد العام 1924 ؛ هذا التنكيل الذى تجلى فى استشهاد عبيد حاج الامين فى السجن فى 1932 ؛ وبقاء على عبد اللطيف معتقلا ؛ بعد انتهاء فترة حكمه فى 1935 ؛ فى ... مستشفى للامراض العقلية بمصر ؛ حتى موته فى  العام ...... 1948 !!!! فان الطريق للاستقلال قد تاجل كثيرا ؛ وطغت على الساحة القيادات المرتبطة بالاستعمار من السادة المزعومين؛ ورجال الادارة الاهلية ؛ وكبار موظفى الحكومة .

ان معظم الجهد العام الذى قام به المثقفين بعد هزيمة الثورة قد تجلى فى الاعمال الادبية والنشاطات الثقافية ؛ وفى تاسيس التعليم الاهلى ؛ وبعض المشاريع الخيرية ؛ كملجأ القرش ؛ وفى النزوح الى الخارج للتعليم ؛  والنشاط الرياضى ؛ هذه النشاطات التى كانت مراقبة بدقة من قبل الادارة الاستعمارية ؛  والتى استمرت منذ النصف الثانى من العشرينات وحتى العام 1938 ؛ حين تكون مؤتمر الخريجين وبدا فى نشاطه العام .

ان العديدين ينظروا الى مؤتمر الخريجين كاصل الحركة الوطنية السودانية ؛ متجاهلين عن عمد او جهل ثورة 1924 ؛ وفى الحقيقة فان مؤتمر الخريجين ؛ على ايجابياته ؛ قد كان تنظيما اصلاحيا صفويا ؛ لم يطرح واجب النضاال الوطنى الثورى ؛ ولم يستطع الاتيان ببفكرة وطنية جديدة ؛ وكان هو المعبر الذى خرجت به نخبة الافندية والزعامات الطائفية الى العمل العام ؛ بكل سلبياتها وضعفها وخطل مفاهيمها .

فقد بدا المؤتمر باختيار اول لجنة له من كبار الخريجين ؛ وسعى منذ البدء لتطمين الحكومة بانه حركة لتحسين وضع الخريحين ؛ لا علاقة لها بالسياسة ؛ يتصل بها عن طريق المذكرات المليئة بآيات الاحترام والتقدير ؛ وساعيا الى الحصول على اعترافها ؛ وسارع الى تاييد بريطانيا تاييدا مطلقا لما اندلعت الحرب ؛  كما ابتعد بصفويته عن مخاطبة الشعب ؛ على خلاف حركة  المؤتمر الهندية التى سبقته ؛ والتى قيل انها كانت مصدر الهامه ؛ والتى كانت حركة مفتوحة لكل الشعب ؛ وخاضت النضالات المتعددة ضد لاسيطرة الانجليزية .

ان المؤتمر لم يلبث وحاله كهذا ؛ ان تعتوره الخلافات ؛ وان يبدا تاثيره فى الانحسار ؛ وعضويته فى التناقص ؛ وان تسعى فيه القيادات الطائفية تبحث لها عن التاييد ؛ وتجده بين هذه الفئة وتلك من قيادات المؤتمر ؛ الامر الذى حول المؤتمر الى شكل دون محتوى ؛ وهيكل دون روح ؛ وادى به فى النهاية الى التفكك والانحلال ؛ دون ان يتحول الى هيئة لالهاب النضال الوطنى ؛ والى الدعوة الصريحة الى الاستقلال .

ان المذكرة الشهيرة التى رفعها المؤتمر ؛ قد نصت اولا على " قيام حكومة سودانية ديمقراطية فى اتحاد مع مصر تحت التاج المصرى " ثم ما لبثث ان تحولت الى : " قيام حكومة سودانية ديمقراطية فى اتحاد مع مصر وتحالف مع بريطانيا " ؛ ثم اغرقت هذه المطالب المبهمة والمتناقضة بمطالب تفصيلية جديدة من قيام لجنة مشتركة من المؤتمر والحكومة لمشروع تولى السودانيين الحكم فى البلاد ؛ والمطالبة بالغاء الحريات العامة . ان هذه المطالب والتى لم تتعظ من تجربة ثورة 1924 ؛ والتى تلتحف بغطاء التاج المصرى ؛ والتى تدعو الى نفسها من خلال مذكرات متبادلة مع الادارة الاستعمارية ؛ وليس فى النضال الشعبى ومخاطبة الجماهير ؛ ليست مطالب حركة ثورية وطنية بل حركة اصلاحية نخبوية سلمية ؛ وهذا ما كانته حركة المؤتمر منذ بدايتها والى انحلالها .

ان تفكك المؤتمر قد ارتبط بنشوء الاحزاب ؛ والتى قامت اما على اساس طائفى كما حزب الامة ؛ او على اساس من الؤلاءات والعلاقات الشخصية كاحزاب الاتحاديين  المختلفة ؛ او بتدبير مباشر من الانجليز ؛ كالحزب الجمهورى الاشتراكى ؛ وقد قامت كلها على مفاهيم خاطئة للوطنية السودانية ؛ ووالت هذا الطرف او ذاك من الادارة الاستعمارية ؛  وكادت لبعضها حينما كان ينبغى ان تعمل موحدة ؛ ولم يربط بينها فى  اختلافها ؛ الا التخبط السياسى ؛ وضعف  المنهجية الفكرية ؛ وانعدام البرناج الواضح ؛ والتهادن مع الادارة الاستعمارية ؛ رغم جاهزية الشارع السياسى لخوض النضال ضاريا ضد الاستعمار .

اننا تستثنى من هذه الاحزاب الهلامية ؛ الحزب الجمهورى بقيادة محمود محمد طه ؛ وحزب الحركة السودانية للتحرر الوطنى ؛ والتى عملت فيما بعض كالجبهة المعادية للاستعمار ؛ ذوى البرامج الواضحة والنشاط المصادم ؛ وان كانت هذه احزاب صغيرة ؛ نعيب على الاول منها  ارتباطه الكامل بشخص فرد ؛ وانخراطه من بعد فى ايدولوجية دينية وابتعاده عن اساليب العمل السياسى  المعتادة ؛  وعلى الثانى اعتماده على ايدويولجية ماركسية تتصلب باستمرار ؛ الامر الذى ادى الى تحوله الى الحزب الشيوعى السودانى فى مطلع العام 1956 ؛ الامر الذى اغلق امامه الباب منذ البدء فى امل التحول الى حزب جماهيرى شعبى ؛ والى انتهاج سياسات واقعية لا عقائدية .

ان الحزبين الرئيسين الذين تصدرا الساحة ؛ قد كانا حزب الامة الذى تاسس بمباركة بريطانية فى العام 1943 تحت رعاية امام الانصار  ؛ والحزب الوطنى الاتحادى الذى تكون بتوحيد الاحزاب الاتحادية المختلفة فى العام 1953 بمباركة مصرية ؛ وتحت رعاية الطائغة الختمية والهندية  ؛ وحين قام الحزبان على افراد وطوائف وشعارات عامة ؛ فقد انعدم فيهما البرنامج الوطنى التفصيلى لمهام ما بعد الاستقلال ؛ وكان شعار :"تحرير لا تعمير " دلالة كافية على ضيق افق هذه القيادات ؛ والتى رفعت شعار رفض التعمير علنيا ؛ وكانت كل حصيلتها من البرامج شعارات ساذجة ومتناقضة وعمومية من نوع السودان للسودانيين ؛ و الاستقلال التام او الموت الزؤام ؛ او الاتحاد تحت التاج المصرى .

ان اسهام بعض هذه القيادات الفكرى والسياسى قد كان محدودا وقاصرا ؛ فالرئيس الازهرى ترك للمكتبة السودانية كتاب واحد هو " الطريق الى البرلمان" ؛ وهو كتاب اجرائى حول قواعد المداولات فى البرلمان ؛ ولم يتسع وقته للكتابة حول قضايا السودان الملحة ؛ اما الشيخ على عبد الرحمن؛ قائد حزب الشعب الديمقراطى ؛  فقد اخرج اول كتاب له " الديمقراطية والاشتراكية فى السودان " فى العام ...1970 ؛ كما ان السياسى الالمع فى حزب الامة ؛ السيد محمد احمد المحجوب ؛ وبعد التخلى عن الاهتمامات الادبية ؛ قد اخرج كتابه " الديمقراطية فى الميزان " فى عام 1976 ؛ وفيما عدا ذلك فينعدم الاسهام الفكرى او البرامجى " لقادة" الحركة الوطنية السودانية .

ان الكتب المذكورة ؛ ورغم صدور اثنان منها بعد عقدين ونصف من الاستقلال ؛ وبعد خروج كاتبيها عمليا من الساحة السياسية ؛ تتميز بالغموض وعدم المنهجية والعمومية فى المفاهيم ؛ وخصوصا فى مسائل جوهرية كقضية الديمقراطية والنظام السياسى والمؤسسات الدستورية ؛ كما ذهب الى ذلك الدكتور حيدر ابراهيم على فى دراسته التحليلية لهم ؛ وفوق ذلك فان كاتبيها فى الممارسة العملية ؛ قد خرقوا مرات كثيرة ؛ المبادى التى اعلنوا التزامهم بها فى شعاراتهم المعلنة او فى الكتب السابق ذكرها ؛ وخوصوصا تجاه قضية الديمقراطية ومؤسساتها .

ان النضال الشعبى الذى تفجر منذ منتصف الاربعينات ضد الاستعمار ؛ والحركة الجماهيرية المناهضة له ؛ والتى ظهرت كانصع ما تكون فى النضال ضد الجمعية التشريعية ؛ ما لبثت ان اخلت مكانها للاسوب التفاوضى مع دولتى الحكم الثنائى ؛ وللاسلوب الاصلاحى التدرجى ؛ الذى انتج الحكم الذاتى فى العام 1954 ؛ واعلان الاستقلال فى الاول من يناير 1956.

اننا وفقا لما تقدم ؛ نزعم ان الطريق الى الاستقلال قد كان اصلاحيا لا ثوريا ؛ وان الاحزاب التى نمت عشية الاستقلال قد كانت احزابا هشة وهلامية ؛ لا تمتلك اى برنامج للبناء الوطمى ؛ وان الاستقلال قد جاء بشكل تفاوضى سلمى ؛ وليس بشكل جماهيرى ثورى ؛ الامر الذى افقده  كثيرا من الزخم ؛ وقلل من حدود المشاركة الشعبية فى واقع ما بعد الاستقلال .

مهام ما بعد الاستقلال :

واجه السودان عند استقلاله ؛ عدة مهام تاسيسية ؛ لارساء قواعد الدولة الوطنية الفتية ؛ والتى يمكن اجمالها فى التالى :

·        بناء النظام الدستورى وترسيخ المؤسسات الديمقراطية  

·        التنمية الوطنية المتوازنة ورفع التخلف الاقتصادى

·        تعزيز الوحدة الوطنية للبلاد واكمال عملية الاندماج القومى

·        النهضة الثقافية وتوسيع التعليم

·        بناء الخدمة المدنية وتوفير الخدمات الاساسية .

·        ترسيخ السيادة الوطنية ولعب دور عالمى فعال .

فاما من ناحية النظام الدستورى وترسيخ المؤسسات الديمقراطية والمشاركة الشعبية ؛ فقد تم اختيار النظام الديمقراطى البرلمانى كنظام للحكم ؛ والنمط المركزى لادارة البلاد ؛ واطلاق الحريات العامة كوسيلة لضمان المشاركة الشعبية . وقد كانت انتخابات العام 1954 وما تلتها من انتخابات ؛ كما كان اقرار دستور 1956 ؛ واعلان الاستقلال من داخل البرلمان ؛ خطوات جيدة فى هذا الطريق . الا ان خطل المفاهيم السياسية للنخبة التى حكمت ؛ وثقل وزن الدوائر التقليدية وسطها ؛ ونقل التجربة البرلمانية  البريطانية بحذافيرها للتطبيق فى البلاد ؛ دون ادراك للواقع السودانى ؛ قد كانت اول العثرات التى اعترضت تكوين النظام السياسى المتين والديمقراطى فى آن .

الا ان الخطا الاكبر الذى وقعت فيه حكومات ما بعد الاستقلال ؛ قد كان فى انتهاجها المركزية طريقا وحيدا للحكم ؛ وتجاهلها لكبر حجم السودان ؛ وتعدد اقاليمه وثقافاته والتباين فى تطوره الاقتصادى وواقعه الاجتماعى ؛ الامر الذى يحتاج الى درجة عالية من اللامركزية ؛ واعطاء سلطات واسعة للاقاليم فى ادارة شؤونها .

 ان مساهمة الجماهير السودانية فى الانتخابات الاولى ؛ وانخراطها فى العمل النقابى والحركات الاجتماعية  ؛ وخصوصا جماهير العمال والمزارعين والمهنيين ؛ قد اوضح حجم النشاط الكامن فى الجماهير الشعبية ؛ ورغبتها فى تطوير البلاد ؛ وامكانية استيعاب حيويتها فى تطوير وتغذية النظام الديمقراطى الناشئ . الا ان النخبة قد اختارت الطريق الصفوى ؛ وبدات بتاثير من استقطابات عالمية ؛ فى معاداة الحركة الشعبية والنقابية ؛ فكانت محاولات تفتيت الحركة النقابية العمالية ؛ ومحاصرة وتهميش الاحزاب الصغيرة ( الجمهورى والجبهة المعادية للاستعمار ) ؛ وحوادث عنبر جودة الدامية ؛ اول المؤشرات على الشروخ القائمة فى كيان المؤسسات الدستورية الجديدة والنظام السياسى الناشئ .

اما فى مجال التنمية الاقتصادية وخططها ؛ فقد كان هنا التحدى الاكبر لقادة ما بعد الاستقلال ؛ حيث ورثوا اقتصادا ذو طابع زراعى متخلف ؛ ومناطق واسعة تعيش على نمط الاقتصاد المعيشى ؛ وقطاع حديث محدود فى الزراعة والخدمات والصناعات الخفيفة ؛ وتبادل تجارى يعتمد على منتوج زراعى واحد . ان حجم التحديات التنموية للسودان ؛ لم يقابلها اى مبادرة من قبل قيادة الاحزاب والقوى التى حكمت بعد الاستقلال ؛ ولا عجب فى ذلك ؛ اذا ما كانت شعاراتها من نوع " تحرير لا تعمير " ؛ واذا ما كان خيالها الاقتصادى  محدودا بحدود تجاربها الضئيلة فى تجارة الجلابة واستغلال الفائض الزراعى للاتباع كما فى حالة الزعماء الطائفيين والقبليين ؛ واذا ماكانت نتيجة لتمترسها فى المواقع اليمينية ؛ قد اقفلت على نفسها كل الابواب للتعرف على والاستفادة من التجارب الاجتماعية فى دول المنطقة وفى العالم .

ان انعدام اى برنامج للتنمية الاقتصادية خلال الفترات الديمقراطية قد كان مربط فشلها الاول ؛ ولذلك فقد سار السودان فى تدهور مستمر ؛ وقد كانت محاولات التنمية فى الفترات العسكرية ؛ والتى كان من اشسهرها الخطة العشرية لعبود ؛ وخطط التنمية المتعددة لنميرى ؛ وسياسة ناكل مما نزرع  ونلبس مما نصنع فى عهد الانقاذ ؛ محاولات طموحة ؛ ما كان لها ان تنجح فى ظروف الديكتاتورية وابعاد الجماهير عن مركز القرار ؛ وتحطيم منظماتها المدنية ؛ وسياسة الاستقطاب السياسى الحاد الناتجة عن كل تسلط ؛ وطغى الاحلام الايديولوجية والشعاراتية ؛ والمحسوبية والفساد ؛ على قوانين الاقتصاد والتقنية والادارة .

اما فى مجال الوحدة الوطنية ؛ فان سيادة المفاهيم التى قامت على التوجه العربى الاسلامى للسودان ؛ وتجاهل واقع التعددية ؛ وسيادة العقلية الاستعلائية فى التعامل مع جماهير الجنوب والمناطق التى همشها الاستعمار ؛ قد ادت الى امر الثمار ؛ والتى كان من نتائجها اندلاع الحرب الاهلية فى البلاد ؛ واذدياد الشروخ فى النسيج الاجتماعى السودانى .

ان موروثات انعدام الثقة المتبادلة منذ قرون بين مختلف القبائل والتكوينات السكانية ؛ وتاثيرات سياسة المناطق المقفولة الممارسة من قبل الاستعمار ؛ لم تجد اى توجهات  جادة للانتصار عليها من قبل النخب الحاكمة ؛ بل كانت سياستها الوحيدة هى المركزية والتعريب والاسلمة ؛ طريقا لتحقيق الوحدة الوطنية للبلاد .

اننا هنا نحمل المسؤولية كاملة لقيادات النخبة الشمالية الحاكمة ؛ فقد تحلت القيادات الجنوبية بمسؤولية كبيرة ؛ سواء فى وسط المثقفين او الزعامات التقليدية ؛ تجاه قضية الاستقلال والوحدة الوطنية . فقد وقفت هذه القيادات فى مؤتمر جوبا فى العام 1946 مع انضمام الجنوب الى  الشمال فى دولة موحدة  ؛ بدلا من خطط ضمه الى اوغندا او كينيا ؛ التى كانت تروج لها دوائر فى الادارة الاستعمارية . كما وققت هذه القيادات الجنوبية بالاجماع مع استقلال السودان ؛ ووقف نواب الجنوب مع وحدة البلاد واستقلالها ؛ مقابل الوعد الذى قطع لهم ببناء نظام فيدرالى بعد الاستقلال . ان هذا الوعد لم ينجز فحسب من قبل النخب الشمالية الحاكمة فيما بعد ؛ بل تحولت مجرد الدعوة الى النظام الفيدرالى الى جريمة للخيانة فى عرف الحاكمين ؛  يحكم علي دعاتها بالسجن فى السودان المستقل .

ان الحرب الاهلية التى بدات بتمرد محدود ؛ كان يمكن بالتعامل المسؤول وبالانتباه الى جذور المشكلة ووضع الاسس السليمة لحلها ؛ ان تتحول الى مجرد ذكرى اليمة وقديمة ؛ ولكنها نتيجة سياسات الاستعلاء القومى والميل الى الحل العسكرى للمشكلة وتكريس السياسات التهميشية والاقصائية ؛ قد تحولت الى ازمة وطنية مستفحلة ؛ قطعت الطريق ولا تزال تقطعه امام ضمان الوحدة الوطنية .

كما واجهت البلاد مهام انجاز نهضة ثقافية شاملة ؛ تخرج البلاد من تخلفها ؛ وتلحقها ببلاد العالم المتقدم . ان السودان عندما حصل على استقلاله ؛ فقد كانت اغلبيته العظمى ترزح تحت ظلام الامية الكتابية ؛ كما تعشعش فيه المفاهيم المتخلفة والممارسات الاجتماعية الضارة ؛ من الدجل والشعوذة والخرافات ؛ وضعف الوعى الصحى والبيئى ؛ ومستوى منخفض من الوعى التقنى وانعدام استخدام التقانة الحديثة فى العمليات الانتاجية . ان هذه النهضة الثقافية قد كانت بمثابة  الشرط الضرورى والاساسى لاجراء اى عملية تنمية فى البلاد اقتصادية كانت ام اجتماعية ؛ تؤدى الى رفع المستوى المعيشى والثقافى للجماهير ؛ وتنهض بالبلاد من تخلف القرون .

ان هذا الواجب ؛ اى انجاز نهضة ثقافية ؛ قد لاقى الاهمال من قبل النخب المختلفة بعد الاستقلال ؛ واختصرت كل السياسة الثقافية للدولة فى السياسة التعليمية ؛ وكانما ليس هناك  غيرها من مهام واجراءات وادوات ثقافية ؛نكفل التطور الثقاغى . وحتى فى حدود السياسة التعليمية ؛ فقد ساد ضيق الافق والاتجاه الصفوى النخبوى ؛ وبدلا عن توسيع التعليم راسيا وافقيا ؛  فقد وفرت امتيازات فائقة للفئة المتعلمة من السودانيين ؛ سواء تلك التى صعدت الى مؤسسات الدولة ( الافندية ) ؛ او تلك التى تدرس بالجامعات السودانية والاجنبية ؛ حيث سادت امتيازات ضخمة حتى منتصف السبعينات للدارسين والمتخصصين ؛ فى الوقت الذى لم يجد فيه التعليم الاساسى اى دعم وتطوير . كما ساد الميل الى اعلاء شان التعليم النظرى على حساب التعليم التقنى ؛ وبقيت مرافق الانتاج الاساسية من زراعة ورعى غارقة فى ادوات العمل التقليدية والمتخلفة ؛ الا من جزر محدودة للانتاج الحديث خلفها الاستعمار ؛ ولم تدخل فيها الحكومات الوطنية يد التطوير والاصلاح ؛ وانما اكتفت باحلال المدير الانجليزى بآخر سودانى ؛ مع كل امتيازاته ؛ ودون احداث تطوير يذكرفى اساليب الانتاج او ادواته  .

ان استمرار الامية الكتابية وسط نصف السكان ؛ بعد 46 عاما من الاستقلال لا يزال عارا على بلادنا ؛ وهى مسؤولية مباشرة للنخب الحاكمة ؛ فقد بادرت جماهيرنا بانشاء التعليم الاهلى ؛ وكانت سخية فى دعمه من مالها وجهدها ؛ وقد توافرت للدولة كل الظروف ؛ لو ابتدرت حملة وطنية لرفع الامية الكتابية ؛ ان تنجح فيها ؛ ولكنه قصور الخيال السياسى ؛ والانكسار للمصالح المباشرة والضيقة ؛ وانعدام البرنامج التنموى والثقافى الذى اغلق اعين حكامنا عن هذ الفقضية الجوهرية لتطور بلادنا ورفعتها .

كما ورث السودان خدمة مدنية فى حدودها الدنيا ؛ وخدمات اجتماعية من صحة ورعاية اجتماعية وتامينات فى حدودها الادنى ؛ حيث تمتعت بها مجموعات قليلة من سكان المدن ؛ وحرمت منها الغالبية العظمى من سكان البوادى والارياف . ان تعامل حكومات ما بعد الاستقلال مع الخدمة المدنية قد سعى الى تحويلها الى اداة سياسية لخدمة الحزب او المجموعة الحاكمة ؛ اكثر منها اداة لادارة الدولة وخدمة المواطن . ان السياسة الاساسية التى نفذت فى هذا المجال ؛ اى السودنة ؛ قد سعت الى تغيير الكادر الادارى فقط ؛ دون ان تغير من القوانين واللوائح التى حكمت هذه الخدمة ؛ فى اتجاه جعلها اكثر ديمقراطية وقربا من المواطن ؛ واقل تكلفة وايسر تعاملا . ان واقع اقتصار كوادر  الخدمة المدنية على النخبة العربية الاسلامية قد كان واحدا من اسباب تاجيج الحرب الاهلية ؛ حيث اصبحت سياسة السودنة مجرد سياسة " شمألة " اى احلال الكوادر الشمالية محل الكوادر الانجليزية والاجنبية . ان الادارة المدنية لم تمسها يد الاصلاح والتطوير فى العهد الوطنى ؛ وحينما برزت هذه الشعارات ؛ فقد طبقت باسلوب عشوائى وعقيدى خاطى ؛ كما فى تجربة مايو باسم التطهير ؛ وتجربة يونيو باسم اسلمة جهاز الدولة .

ان الزعم بان السودان قد ورث خدمة مدنية ممتازة ؛ وخدمات على مستوى عال ؛ لا يماثله فى الضحالة الا الحديث عن انجازات الاستعمار ؛ فالخدمة المدنية الاستعمارية قد انشات وبنيت على خدمة المصالح الاستعمارية ؛ كما ان الخدمات كانت محصورة فى الفئات المتميزة من  الشعب السودانى ؛ ولا تزال هذه الاوهام معشعشه فى اذهان البعض . لكن حكومات ما بعد الاستقلال لم تفعل غير ان ذادت الطين بلة ؛ وخصوصا مع الاذدياد المضطرد فى تعدد السكان ؛ وزيادة احتياجات المواطن من الخدمات الاساسية ؛ والحوجة الى جهاز ادارى مرن وفعال ؛ فى دولة هى اشبه بالقارة كالسودان .

ان السودان وهو قد حقق استقلاله كاحد اولى الدول الافريقية ؛ وبواقع حجمه الجغرافى وعدد سكانه ؛ وبحكم التعدد الثقافى الكامن فيه ؛ وتجربته الديمقراطية الرائدة ؛ كان يمكن ان يلعب دورا فعالا فى المحيطين الاقليمى والعالمى ؛ وخصوصا فى دعم حركات التحرر الافريقية ؛ وفى دعوات الوحدة الافريقية ؛ وكرابط بيبن العالمين العربى والافريقى ؛ وكداعية للتعاون الاقليمى الاقتصادى والثقافى ؛ وطداعية للديمقراطية والسلام  فى المنطقة والعالم . الا ان التوجه العروبى السائد ؛ واحتقار افريقية السودان ؛ والنظرة الانغلاقية الضيقة ؛ قد جعلت السودان تابعا فى محاور اقليمية وعالمية مشكوك فى توجهاتها ؛ وابعدته عن مواقع التاثير الايجابى فى المنطقة والعالم . ان فشل بناء تنمية اقتصادية ؛ وانتكاس النظام الديمقراطى ؛ واستمرار الحرب الاهلية لعقود ؛ قد جعلت من هذا الكيان الشاسع ؛ منفعلا سلبيا ؛  لكثر منه فاعلا  ايجابيا فى لعبة السياسية الدولية والاقليمية .

فى اسباب الفشل :

ان الاسقلال الذى حقق بتضحيات غالية لاجيال عديدة ؛ قد اهدر ؛ والمهام العزيزة الى نهضت امام الدولة السودانية ؛ لم تنجز ؛ واصبحت بلادنا على ما هى عليه من الفقر والتخبط الاقتصادى ؛ والاحتراب والاختلاف السياسى ؛ وهجرة ولجوء مواطنيها فى مشارق الارض ومغاربها ؛ وتراجع دورها بين دول وشعوب العالم ؛ حتى اصبحت لا تذكر الا وهى مقترنه بمصيبة وكارثة ؛ من حرب او مجاعة  او انقلاب ؛ او خرق لحقوق الانسان اوشبهة ارهاب ؛ او  استرقاق وامتهان لكرامة الشعب والمواطنين .

هل كانت معانى الاستقلال الحقيقية ومغزاه عصية على الفهم ؛ لكى ما نزعم بانها كانت سبب ذلك الفشل ؟ كلا ؛ فقد كتب احد قادة جيل الاستقلال ؛ احمد خير المحامى ؛ فى العام 1948 مخاطبا الاحزاب السودانية " فعلى الاحزاب السودانية لكى تكسب التاييد الشعبى الوطيد الراسخ الا تكتفى بعنوان الدولة فى المستقبل ؛ بل عليها ان تبين ماذا سيكون نظام الحكم ؛ المركزى والمحلى ؛ وماذا تكون الاسس الاقتصادية فى البلاد ؛ وفى يد من تكون مصادر الثروة ؛ وكيف تمحو الامية ؛ وما هى القيم الاجتماعية التى ننوى ان تسود فى السودان ؟"  وغيرها وغيرها من الاسئلة الجوهرية التى طرحها وغيره على قادة الحركة الوطنية آنذاك .

هل كان الشعب السودانى عيا متباطلا ؛ بسارع الى الفساد ولا يرغب فى العمل ؛ كلا وحاشاه . فقد هب الشعب مستجيبا لكل نفير وطنى ؛ وقدم من ماله وجهده ودماه قربان الحرية ؛ وانشأ التعليم الاهلى ؛ والمنظمات التعاونية والاجتماعية ؛ وهب ضد التسلط والارهاب فى انتفاضتين عارمتين ؛ مقدما فى سبيل حرية الوطن وكرامة المواطن ؛ كل غال ورخيص ؛ ولم يجن من ذلك الا عنت العيش وتسلط الحكام وتعامل الدولة معه من عل ؛ وها هو اليوم يقف امام ضنك اشد وتسلط اكبر ودولة معادية له حتى النخاع .

هل كان فى الظروف العالمية والاقليمية من الكوابح ما ارجع السودان القهقرى ؛ او تامر على استقلاله ومنجزاته ؟ نعم ولا .. نعم لان السودان كجزء من افريقيا قد عانى مشكل الحرب الباردة ؛ وسقط فى دوامة التبادل التجارى العالمى غير العادل . ولا للان السودان كان بمقدوره ان يخرج من هذه المصايد بانتهاج سياسة مستقلة لا تميل لاحد المعسكرين ؛ ولو طور تعاونا اقليميا واسعا ؛ ولو فجر موارده الداخلية واستغلها لخير مواطنيه ؛ ولو اكتسب قادته روح الوطنية التى رفعت بلاد عديدة من العالم المتاخر ؛ فى غضون عقود قليلة الى اكثر البلدان والمجتمعات حركية فى التطور .

اننا نعتقد بان السبب الرئيسى لفشل السودان وشقاء شعبه يكمن فى النخب التى حكمت وفشلت ؛ فى القيادات الطائفية ومن والاها من المثقفين ؛ فى النظرة الضيقة لكينونة السودان ؛ وفى احزاب السودان الرئيسية ذات الباع الطويل فى الانقلاب على الديمقراطية وتحطيم المؤسسات وتفريخ الفساد والمحسوبية ؛ وفى كل مشروعها السياسى الذى ساد ثم لم يبورثنا العذاب .

ان خطل المفاهيم التى حكمتنا ؛ وتخلف القيادات التى اعتلت رؤوسنا ؛ وتقاعس المتعلمين منا ؛ وتغليب المصلحة الخاصثة على العامة ؛ والانكسار لاسؤا العناصر ظلاما وانغلاقا فى ثقافاتنا ؛ قد كان موطن الداء . ان مقولة الاستاذ محمود محمد طه ؛ بان الشعب السودانى عملاق ؛ يقوده اقزام ؛ يؤكدها حال السودان اليوم .

ذكرى الاستقلال ومهام اليوم والغد :

اننا نعتقد ان حال السودان لن يصلح ؛ الا بانجاز المهام الاساسية التاسيسية ؛ والتى عجزنا عن حلها ؛ وعن التخلى عن كل المشروع الاحادى الاقصائى الذى حكم ماضى السودان وحاضره ؛ اى فى جملة واحدة ؛ الخروج من اسار السودان القديم الى افاق السودان الجديد .

ان السودان الجديد يجد جذوره فى كل النضالات  والتضحيات التى اجترحت ؛ وفى آمال الشعب التى احبطت ؛ وفى الآلام التى عايشتها الاجيال . ولكن هذا المشروع لن يتحقق الا اذا استند على برنامج علمى قابل للتطبيق ؛ وعلى حركة سياسية حديثة ؛ ديمقراطية الشكل والمحتوى ؛ وعلى نظام ديمقراطى راسخ ؛ وحركة شعبية تراقبه وتقومه .

لن يقوم السودان الجديد على اكتاف القيادات التى انتجت الازمة ؛ و لا تلك التى تقاعست فى المحنة . بل سيقوم على اكتاف الشباب المخلصين ؛ والجماهير التى همشت عقودا ؛ وعلى النضال الصبور الذى لا يغرف الككل ؛ من جل واقع جديد .

ان سياسة الموازنات والمسومات والمصالحات فى قضايا الوطن الجوهرية ينبعى ان تذهب الى غير رجعة ؛ ولا بد من تطوير حس نقدى عال ؛ لكل مكونات السودان السياسية والاجتماعية والثقافية ؛ وتحديد دقيق للمسؤوليات ؛ ومحاسبة صارمة لكل من افسد وخرب ؛ وسرق وقتل ؛ من غير ذلك فدون نهضة السودان خرط القتاد .

اننا نختم بمقولة اخرى للاستاذ احمد خير ؛ ذكرها فى كتابه لآنف الذكر ؛ حيث كتب : " ليست الغاية اذن من كفاح السودان ضد الاستعمار ؛ هى  اختيار الاسم الذى يستطيع القادة ان يطلقوه على الدولة ؛ بل ينبغى ان تكون غايتنا اقامة الاسس والضمانات التى تكفل للمواطن حقوقه فينالها فى عزة واحترام ؛ كما تتقاضاه واجباته فيؤديها عن رضا ورغبة . دون محاباة او استثناء . غايتنا ان نغرس فى نفس رجل الدولة ؛ الوزير قبل الخفير ؛ ذلك الاعتقاد الراسخ الذى يجعله يحس احساسا كاملا بانه خادم المجتمع واجيره ؛ الذى تتوقف مكانته واحترامه ؛ كما يتوقف رزقه وقوت عياله ؛ على مقدار ما يؤديه للمجتمع من خدمات ؛ وما يؤديه من جهد."

كما كتب ايضا  ؛ فى نهاية كتابه ؛ ما نكرره معه اليوم " فى سبيل ديمقراطية سليمة تكفل للمواطنين ؛ حرية القول بجميع وسائله ؛ وحرية العقيدة ؛ وتهيئ للجميع الفرص بالتساوى ؛ ونحو اللامركوية الادارية التى تحقق استقلال القرية الادارى ؛ ارجو ان توجه الجهود ؛ ويجند المكافحون قواهم ونضالهم ."

عادل عبد العاطى

 

[i]  المقال الحالى هو الصيغة المكتوبة لندوة قدمت بنفس العنوان ؛ فى منبر السودان الجديد بالانترنت ؛ فى يوم السبت 22 ديسمبر 2001.